المقريزي

146

المقفى الكبير

وكان صالحا خيّرا مؤدّبا ، سمع منه الناس . وتوفّي يوم الجمعة لأربع خلون من ربيع الأوّل سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة . والقبري بفتح القاف وسكون الباء الموحّدة ثمّ راء مهملة ، نسبة إلى قبرة : بلد [ يبعد ] عن قرطبة بنحو ثلاثين ميلا . 1828 - أبو العبّاس المخطوم [ - 298 ] محمد بن أحمد بن محمد بن زكريا أبو العبّاس ، أخو أبي عبد اللّه الشيعيّ ، ويعرف بابن أبي الملاحف « 1 » . وكان أسنّ من أخيه أبي عبد اللّه وأعلم ، وكان أبو عبد اللّه أرجع عقلا وأكثر دينا . ولم يزل هو وأخوه أبو عبد اللّه يدعوان إلى مذهبهما وينتقلان في الأقطار حتّى نزلا بسلميّة من أرض الشام ، واتّصلا بعبيد اللّه المهديّ « 2 » ، فخرج أبو عبد اللّه إلى اليمن ، وسار منها حتّى اتّصل بكتامة أهل المغرب ، وترك أبا العباس مقيما عند عبيد اللّه المهدي بسلميّة حتى استقام الأمر لأبي عبد اللّه مع كتامة ، وبعث إلى المهديّ يبشّره بما فتح اللّه له . فخرج المهديّ من سلميّة ومعه ابنه وأتباعه ، وفيهم أبو العبّاس ، فنزلا مصر وأقاما بها . ثمّ خرج الجميع يريدون القيروان فقدّم المهدي أبا العبّاس بين يديه ، ببعض ما معه وأمره أن يلحق بكتامة . فلمّا وصل أبو العبّاس إلى القيروان وجد الخبر قد سبقه إلى زيادة اللّه بن الأغلب صاحب إفريقيّة بخبر المهديّ ، فسأل عنه رفقته فأخبروه أنّ المهديّ تخلّف بطرابلس ، وأنّ صاحبه أبا العبّاس بالقيروان . فأخذ أبو العبّاس وقرّر ، فأنكر وقال : « أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل » ، فحبسه زيادة اللّه . فبعث أبو العبّاس إلى المهديّ يخبره بما وقع ، فتوجّه إلى قسطيلية ثمّ إلى سجلماسة ، فقبض عليه كما قد ذكر في ترجمته « 3 » . فأقام أبو العبّاس محبوسا بالقيروان مدّة ، ثمّ فرّ إلى طرابلس وأقام بها إلى أن انهزم زيادة اللّه وهرب يريد مصر ، فنزل طرابلس وأحضر أبا العبّاس وقرّره هل هو أخو أبي عبد اللّه ؟ فأنكر وقال : أنا رجل تاجر قيل عنّي إنّي أخو أبي عبد اللّه فحبست . فقال له زيادة اللّه : أنا أطلقك فإن كنت صادقا في أنّك تاجر فلا مأثم فيك ، وإن كنت كاذبا وأنت أخو أبي عبد اللّه فليكن للصنيعة عندك موضع ، وتحفظنا فيمن خلّفناه . وأطلقه ، وسار أبو العباس إلى أخيه أبي عبد اللّه وقد ملك رقّادة ، ففرح به ، واستخلفه على إفريقيّة ومعه أبو زاكي ، وسار لإخراج المهديّ من سجن اليسع بسجلماسة إلى أن أخرجه وأحضره إلى رقّادة وسلّم إليه الأمر . فاستبدّ المهديّ بالأمور ولم يجعل لأبي عبد اللّه ولا لأخيه أبي العبّاس من الأمر شيئا . فدخل أبا العبّاس الحسد وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي ، والأخذ والعطاء . وأقبل يزري على

--> ( 1 ) ابن أبي الملاحف داع رافق أبا عبد اللّه من اليمن إلى بلاد كتامة بأمر من ابن حوشب داعي اليمن ، كما مرّ في ترجمة أبي عبد اللّه رقم 1224 . ( 2 ) المعروف أنّ أبا عبد اللّه لم ير المهديّ قبل تخليصه من سجن سجلماسة . ( انظر ص 125 من مجلّة كلية الآداب بالجامعة المصريّة ، مجلّد 4 ، جزء 2 ، ديسمبر 1936 : سيرة جعفر الحاجب ) . والمصادر الأخرى لا تذكر اتّصالا سابقا بين الداعي والمهديّ . ( 3 ) أي : ترجمة المهدي عبيد اللّه ( رقم 1528 ) .